آخـــر ما حـــرر

إدارة الإخوان المسلمين للثورة السورية: تحويل الصراع وتخفيف العبء عن النظام

 


صاغ الإخوان المسلمون خطاب الثورة السورية بطريقة خففت عن نظام الأسد القاتل معظم أعباء الجريمة، واضعة الشعب السوري في مواجهة الشعب السوري.

بدأت الحكاية منذ المظاهرات السلمية، حيث أفرزت الثورة اصطفافاً ناصعاً واستقطاباً واضحاً قسم الناس بين مؤيد ومعارض؛ معارض يدعم حق الشعب السوري في الحرية والكرامة والحياة، ويرفض الجريمة والقتل، ومؤيد ينحاز للنظام.

وما إن دخل الإخوان المسلمون على خط الثورة، حتى طرحوا تقسيماً جديداً قسم المجتمع إلى (إسلامي وعلماني)، فأحدثوا شرخاً هائلاً في صفوف الثوار. وطالت تهمة العلمانية كل من لا يتفق مع هواهم، حتى وإن لم يكن في وارد العلمانية أو عارفاً بها. وقاموا بخلط دائرتي التأييد والمعارضة حتى حدث التداخل والاختلاط، فصار من يسمونه "علمانياً" هو العدو الحقيقي سواء كان في صفوف الثورة أو في الضفة المقابلة، بينما أصبح الولاء للإسلامي فقط، بغض النظر عن موقفه من الجريمة رفضاً أو تأييداً. وهنا حدث التخفيف الأول عن نظام الأسد.

ثم تطورت الأمور وطرح الإخوان المسلمون قضية تطبيق الشريعة وإقامة الخلافة، مما أسهم في مزيد من التخفيف عن النظام؛ إذ أُعيد توجيه العداء ضد كل من لا يؤمن بتطبيق الشريعة في تلك الظروف، أو من لم يجعل منها أولوية تسبق إسقاط النظام والانتقال إلى سوريا الجديدة.

وكان الأخطر من ذلك هو الزج بالخطاب الطائفي الذي ألهب النفوس وشحن الضمائر ضد المكونات الشعبية لا ضد الحاكم. فبدلاً من توجيه الغضب والاحتقان ضد المجرمين من كل الطوائف، عَمِلوا على توجيهه ضد الطوائف التي لا تنتمي للأغلبية، وحين يشتعل الحقد بين مكونات الشعب، ينجو المجرم الأكبر من غضب الثوار.

ثم تطور الأمر إلى أدنى من ذلك بإدخال ثقافة الدماء والترويج لأساليب همجية في القتل تشمئز منها النفوس. وبذلك وُضع الشعب السوري الثائر —ظلماً وعدواناً— في مظهر إجرامي يفوق إجرام النظام، خاصة مع انتشار آلاف المقاطع التي توثق ذلك الإجرام الوحشي.

عندها شعر الأسد بأن حملاً ثقيلاً قد أُزيح عن كاهله، حين بدأ العالم يتحدث عن إجرام يخرج من المحسوبين على الثورة، بينما الثورة الحقيقية منه براء. وكان كل ذلك سبباً في إفراغ الثورة السورية من محتواها وتخفيف الأعباء عن القاتل الحقيقي.

وعندما حضرت الظروف الدولية المواتية لترحيل الأسد، دفعت القوى الإخوانية والدول الداعمة لها بالجهة التي تجسد كل ما سبق من تطرف وتشدد وطائفية وإرهاب إلى سدة الحكم في سوريا، فكان الشعب السوري بكافة طوائفه هو الخاسر الأكبر، وكانت ثورة الكرامة هي المظلوم الأول.

ناصر أبو المجد 30/7/2026

 


ليست هناك تعليقات