تحالف مكة المكرمة.. خبث تركي وغفلة سعودية
تأصيل
مفهوم التحالفات الدفاعية في لحظات التحول الجيوسياسي
تعرف التحالفات
الدفاعية في التاريخ السياسي بوصفها أطراً هيكلية واستراتيجية تنشأ في اللحظات الحرجة
من تاريخ الدول، عندما ترتفع مستويات التهديد المباشر أو تتغير موازين القوى الإقليمية
والدولية بشكل مفاجئ. تبنى هذه التحالفات كآلية ردع تهدف إلى إعادة توزيع التكلفة والمنفعة
في مواجهة القوى المعتدية أو المشاريع المتمددة. غير أن الجوهر الحقيقي للتحالفات الجيوسياسية
لا يكمن دائماً في النصوص المعلنة أو البروتوكولات الموقعة في المؤتمرات الصحفية، بل
في الأهداف الوظيفية المضمرة التي تُصمم لتحقيقها؛ إذ كثيراً ما تُستخدم التحالفات
الاستراتيجية كأدوات استباقية لتكبيل أطراف معينة، أو فرض تموضعات جيوسياسية جديدة،
أو درء أخطار مستقبلية حتمية تتجاوز نطاق الصراع المباشر القائم.
تحالف
مكة: إعلان الاتفاقية الثلاثية وأركانها الرسمية
شهدت مدينة
مكة المكرمة توقيع "اتفاقية مكة للدفاع المشترك"، وهو حلف دفاعي وتكامل استراتيجي
ثلاثي جمع كلاً من المملكة العربية السعودية، والجمهورية التركية، وجمهورية باكستان
الإسلامية.
تمثل هذا
الحدث بحضور قادة الدول الثلاث وممثليهم التنفيذيين والعسكريين، حيث نصت الاتفاقية
على إرساء مبدأ الردع الجماعي الذي يعتبر أي اعتداء خارجي يستهدف إحدى الدول الأعضاء
بمثابة اعتداء مباشر على الجميع، فضلاً عن إنشاء ممر للتكامل الصناعي والعسكري يدمج
الخبرات العسكرية والتكنولوجية التركية في الطيران والمسيرات، مع المدى الميداني والخبرة
العسكرية الباكستانية، والقدرات المالية والاستثمارية السعودية. ورغم أن السرد الإخباري
الظاهري قدم هذا التحالف كمنظومة مستقلة تهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي والأمن
الذاتي، إلا أن التساؤلات العميقة بدأت تطرح نفسها فور جفاف حبر التوقيع حول الوجهة
الحقيقية لهذا الحلف والدوافع البنيوية التي أدت إلى ولادته.
إن التحالف الثلاثي الذي وقع وأعلن عنه رسميا يوم
الجمعة الماضي 7 آب/أغسطس، ليس تحالفا موجها ضد إيران، وإسرائيل هي من يجب أن تقلق
من هذا التحالف للسبب الحقيقي الذي جمع هذه الدول الثلاث في هذا الحلف. فعلى الأقل
دولتان من الدول الثلاث في هذا الحلف تعززان علاقاتهما بإيران، هما (تركيا وباكستان).
اتفاق الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان وسط تغطية إعلامية ضخمة، جاء بعد
يوم واحد من توقيع اتفاق آخر لا يقل أهمية عنه، لكن لم ينتبه إليه أحد، ففي يوم الخميس
6 آب/أغسطس وفي العاصمة الباكستانية تم توقيع مذكرة تفاهم بين باكستان وإيران. وهدف
هذا الاتفاق هو زيادة التبادل التجاري بين البلدين ليصل إلى عشرة مليارات دولار بحلول
عام 2030 والأخطر من ذلك أن بنود هذا الاتفاق تتيح لباكستان عمليا، مساعدة إيران في
الالتفاف على العقوبات الدولية من خلال إبقاء المعابر الحدودية الستة بين البلدين مفتوحة
على مدار الـ24 ساعة، واستبدال الأنظمة المصرفية بصفقات المقايضة التجارية بتجاوز العقوبات
الدولية. بل إن الاتفاق يدرس السماح لإيران باستخدام الموانئ الباكستانية كطريق بديل
للهروب من أي إغلاق محتمل للممرات البحرية.
وبالمقابل فإن حجم التبادل التجاري بين تركيا وإيران
بلغ ستة مليارات دولار، في العام 2025. وإيران بلد محاصر ومفروض عليه عقوبات، وهذا
الرقم ليس صغيراً.
وفي عمق
نتساءل: ضد من أُنشئ هذا الحلف؟
عند تحليل
أهداف هذا التحالف الثلاثي، نجد أنفسنا أمام صراع بين معسكرين دوليين واضحين: المعسكر
الأول تتصدره إيران مدعومة بحلفاء استراتيجيين كبار روسيا والصين وكوريا الشمالية،
والمعسكر الثاني تتصدره إسرائيل ومن خلفها الدعم الأمريكي والغربي المباشر من أوروبا
وأستراليا واليابان وكندا. والسؤال الجوهري هنا: هل بُني هذا التحالف لمواجهة الخطر
الإيراني الداهم، أم أنه صُمم ليكون درعاً استباقياً في مواجهة إسرائيل؟
المؤشرات
الاستراتيجية والتصريحات الرسمية الصادرة من عواصم التحالف تكشف عن مفارقة كبرى. فقد
جاء التصريح الباكستاني الرسمي ليعلن بوضوح أنه لا مانع لدى إسلام آباد من انضمام إيران
إلى هذا التحالف الدفاعي! هذا الطرح ينسف الفرضية القائلة بأن الحلف أُنشئ لردع طهران
أو مواجهة اعتداءاتها ووكلائها الإقليميين الذين يهددون أمن الخليج والسعودية بشكل
مباشر. إن دعوة دولة تُعد المصدر الأساسي للتهديد الأمني لبعض أطراف الحلف تؤكد أن
الحلف لم يُصمم لمواجهة إيران، بل تلتقي فيه التوافقات الأيديولوجية لتيارات الإسلام
السياسي بشقيها السني والشيعي، لتوجيه بوصلة الردع حصراً نحو الطرف الآخر: إسرائيل
ومن خلفها واشنطن.
المناورة
التركية: فخ استدراج السعودية واستباق المواجهة
إن المحرك
الأساسي والعقل المدبر لهذا التحالف هي القيادة التركية. تقرأ أنقرة المشهد الإقليمي
بدقة عالية؛ فهي تدرك تماماً أنه بعد الانتهاء من تفكيك واستنزاف "محور المقاومة
الشيعي" التابع لإيران، ستنتقل المواجهة الحتمية التالية إلى "محور المقاومة
السني" الذي تتزعمه تركيا وتطمح من خلاله لترسيخ نفوذها الإقليمي.
من هذا
المنطلق، لم تنتظر أنقرة وصول التهديد الإسرائيلي-الأمريكي إلى حدودها، بل عملت استباقياً
على جعل الشمال السوري قاعدة متقدمة للدفاع عن أمنها القومي كخط دفاع أول. ومن ثم،
ابتكرت هذا التحالف الدفاعي ليكون درعاً جيوستراتيجياً يحميها. النقطة المحورية في
هذه الاستراتيجية التركية هي استدراج السعودية وتكبيليها داخل هذا الخندق؛ حيث تهدف
أنقرة إلى قطع الطريق تماماً على الرياض لمنعها من إكمال مسار الانضمام إلى "نادي
السلام الإبراهيمي" والتكامل الأمني مع الغرب. وبذلك، نجحت تركيا في توريط القرار
السعودي ليصبح غطاءً مالياً وسياسياً لمشروع دفاعي يقدم الخدمات الاستراتيجية الأولى
لأنقرة ويحميها من سيناريوهات العزل المستقبلي.
الداخل
السعودي: نفوذ "الصحوة الجديدة" وتوجيه صانع القرار
كيف استجابت
الرياض لهذا المخطط ووقعت في هذا الفخ الاستراتيجي؟ التفسير يكمن في التحول العميق
الذي شهدته بنية الاستشارة داخل البلاط الملكي ومراكز صنع القرار في السعودية.
رغم المظاهر
التحديثية الشديدة، إلا أن التيار الفكري المنبثق عن "تيار الصحوة" وتلامذة
رموزه التاريخيين (كسلمان العودة وغيره) لم يختفوا من المشهد، بل تدرجوا وتغلغلوا في
المؤسسات التنفيذية والمناصب الاستشارية المفتاحية ليصبحوا اللوبي الضاغط والموجه لرؤية
القرار السياسي. استطاع هذا الفريق الاستشاري تقديم فكرة التحالف لولي العهد محمد بن
سلمان على أنها قفزة لنفوذ المملكة وقيادتها لحلف إسلامي ثلاثي جبار، بينما الحقيقة
المعمقة هي أن هؤلاء المستشارين وظفوا خلفياتهم الفكرية لتكبيل التوجهات السعودية،
ومنعها من المضي قدماً في الاتفاقيات الإبراهيمية، وإعادتها إلى مربع التخندق التقليدي
الذي يخدم تنظيماً أيديولوجياً عابراً للحدود، متمثلاً بالإخوان المسلمين الذين
رحبوا بهذا التحالف أيما ترحيب، وقبل ذلك نددوا بالعدوان (الأمريكي-الإسرائيلي)
على إيران في الوقت الذي صمتوا فيه عن الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربي.
الرفض
المصري والاستبعاد الإماراتي: الوعي بحدود "خندق الإخوان"
في مقابل
الاستجابة السعودية، جاء موقف القاهرة وأبو ظبي ليعكس وعياً جيوستراتيجياً عميقاً بطبيعة
هذا الفخ:
* الموقف المصري: رفضت مصر تماماً أية محاولات تركية
لجرها إلى هذا التحالف. فالقاهرة، الموقعة على اتفاقية كامب ديفيد التاريخية، تدرك
أن العقيدة العسكرية المصرية ترتكز على حماية الحدود الوطنية والأمن القومي المباشر،
وترفض تماماً الانخراط في حلف رتََّبته أنقرة وتتحكم فيه أدبيات الإخوان المسلمين التي
تعتبرها مصر التهديد الأول لاستقرارها البنيوي.
* الموقف الإماراتي: جاء استبعاد الإمارات (أو امتناعها
التام) منطقياً وبديهاً؛ إذ إن أبو ظبي حسمت خيارها الاستراتيجي منذ سنوات عبر التوقيع
على الاتفاقيات الإبراهيمية وبناء الشبكات الاقتصادية والأمنية المباشرة مع الغرب وإسرائيل.
ومن ثم، فإن التواجد الإماراتي داخل حلف أُسس بالأساس ليكون جبهة مضادة للسلام الإبراهيمي
يُعد تناقضاً كلياً مع مسارها السياسي.
ختاماً:
إعادة تشكيل المحاور الإقليمية
يكشف تحليل
"اتفاقية مكة للدفاع المشترك" أننا لسنا أمام حلف تقليدي لبناء الاستقرار
الإقليمي، بل أمام مناورة جيوستراتيجية معقدة صممتها تركيا بحرفية عالية لتأمين حدودها
الاستراتيجية وتفادي المواجهة المباشرة مع إسرائيل. وقد أدى الاختراق الفكري لدوائر
الاستشارة في السعودية إلى سحب الرياض بعيداً عن خياراتها الإبراهيمية وتكبيلها داخل
"محور مقاومة جديد" يخدم أولويات الآخرين، في ظل يقظة وحذر مصري وإماراتي
رفض الانجرار إلى هذا المضمار.


ليست هناك تعليقات