آخـــر ما حـــرر

ترامب في مهب الريح: زلزال الأهلية وانكسار النرجسية

 



✍︎ أتَحت لنفسي فرصة اقتحام الكينونة السياسية الأمريكية لمدة من الزمن ، لأستنتج من كل المعطيات التي رصدتها، والتي شعرت بها، أن شخصية الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" المنتخب بأغلبية مريحة من الأمريكيين سيواجه في الأشهر القادمة وبشكل متسارع صعوبات بالغة ستعيق مسيرته المتخبطة، وتعرضه للمساءلات والانتقادات، التي ستنتهي بالإطاحة به.

يواجه المشهد السياسي الأمريكي في مطلع عام 2026 لحظة فارقة تتجاوز الصراع الحزبي التقليدي لتستقر في آتون أزمة أهلية بنيوية؛ فما نشهده اليوم ليس مجرد تراجع عابر في الشعبية، بل هو تآكل حاد في المركز الذهني للقرار. والحديث هنا عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

لقد بدأت الخيوط الفاصلة بين الذات المتضخمة ومقتضيات الدولة العامة تذوب تماماً، مما وضع البيت الأبيض في حالة من الشلل الوظيفي نتيجة التشتت الإدراكي الذي يعاني منه دونالد ترامب، حيث لم يعد الحديث عن هفوات الذاكرة مجرد مناكفات إعلامية، بل بات رصداً لحالة من التقطع العباري والارتباك في ربط الأفكار الكبرى، مما يحرم الرئيس من الإمساك بزمام الملفات المعقدة ويحرج المؤسسة الدستورية بتناقضات علنية صارخة.

أدى هذا التدهور إلى عزلة خانقة للأنا الرئاسية، جعلت المستشارين يلوذون بالوجوم والحياد السلبي، بينما تنسحب الوفود الوازنة من منصات خطابه إدراكاً منها لعدم جدوى التواصل مع عقلية استقرت في شرنقة الذات. هذا الانسداد دفع بالنخب القانونية والمؤسسة الجمهورية العميقة إلى إعادة فتح الدفاتر المسكوت عنها بخصوص الأهلية، وسط همس متصاعد حول ضرورة تفعيل التعديل الخامس والعشرين للدستور لإعلان عدم القدرة على ممارسة السلطات، أو الضغط باتجاه الاستقالة الطوعية تحت غطاء الظروف الصحية لضمان انتقال سلس للسلطة قبل الانهيار الكلي للمشهد.

إن بدء إجراءات عزل الأهلية سيمثل زلزالاً دولياً يعيد تشكيل موازين القوى في لحظات خاطفة؛ فبينما سيسود ارتياح مشوب بالحذر في العواصم الأوروبية وأروقة الناتو التي سئمت تقلبات ترامب، ستستغل القوى الشرقية في بكين وموسكو هذا المشهد للترويج لسردية شيخوخة الإمبراطورية وانهيار الديمقراطية الغربية، مراهنة على انشغال واشنطن بجراحها الداخلية لتكثيف تحركاتها في ملفات ساخنة مثل تايوان وبحر الصين الجنوبي. وفي خضم هذا التيه، يبرز اسم "جي دي فانس" كبديل جاهز تمت هندسته بعناية من قبل الحرس القديم؛ فهو الذي يمتلك لغة "الترامبية" لكنه ينضبط بإيقاع "الدولة العميقة"، مما يجعله الملاذ الآمن للمؤسسة التي تريد التخلص من شخص الرئيس مع الاحتفاظ بقاعدته الشعبية.

يتجلى الارتباك الأكبر في منطقة الشرق الأوسط، حيث بُنيت تحالفات كاملة على علاقات شخصانية مع ترامب وليس مع مؤسسات الدولة؛ فالقوى الإقليمية التي راهنت على نرجسيته لتمرير صفقات كبرى ستجد نفسها فجأة أمام مؤسسات أمريكية صارمة تعود للبروتوكولات القديمة عبر البنتاغون ووزارة الخارجية، مما يفرض على شخصيات مثل محمد بن سلمان وتميم بن حمد اختباراً قاسياً لذكائهم السياسي ومناوراتهم القائمة على الواقعية النفعية تجاه البديل القادم الذي لن يمنحهم "صكوكاً بيضاء" دون مقابل مؤسساتي واضح.

إن سيكولوجية التخلي بدأت تلوح في الأفق من خلال تكتيكات مسح الذاكرة السياسية؛

سيتحول مديح "الصداقة العظيمة" فوراً إلى لغة مؤسساتية باردة تؤكد أن العلاقات استراتيجية مع الدولة وليست محصورة في أفراد، في محاولة صريحة للتنصل من إرث ترامب.

ستوجه الاستثمارات والولاءات واللوبيات نحو مكتب "جي دي فانس" وأقطاب الحرس القديم في مجلس الشيوخ، لشراء صكوك غفران تضمن بقاء المصالح بعيداً عن حطام حقبة النرجسية المنتهية.

سيلتزم هؤلاء القادة بصمت مطبق في ذروة الأزمة، منتظرين هوية من سيمسك بمفاتيح البيت الأبيض الفعلي، مؤكدين حقيقة أنهم من نفخوا في بالون نرجسية ترامب لترويضه، وهم أنفسهم من سيحتفل بتخديره وإيداعه قفص التاريخ لضمان استمرار مصالحهم مع أمريكا المؤسسات.

الباحث السياسي: ناصر أبو المجد ... 24/01/2026   

ليست هناك تعليقات